قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ{70} البقرة

تفسير الآيات التي ذكرت قصة البقرة مع بني إسرائيل

قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ{70} قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ71

من فوائد هاتين الآيتين الكريمتين :

أنه من شدد على نفسه شدد عليه أكثر وكلما بالغ في التشديد كلما كان التشديد في حقه أعظم 

أُمِروا بذبح بقرة مطلقة فاستفسروا عن سنها فزادهم هذا الأمر الذي تشددوا فيه زادهم غموضا في شأن هذه البقرة فسألوا عن لونها فلما أُخْبرِوا بلونها من أن لونها أصفر وفاقع في اصفرار زادهم هذا في شأن البقرة غموضا أشد من الحالين الأوليين

ولذلك 

ماذا قالوا هنا في السؤال اختلف السؤال 

السؤال الأول 

قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ68

السؤال الثاني عن اللون 

قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ69

السؤال في الأول وفي الثاني يختلف عن السؤال الثالث

السؤال الثالث لما زادوا في التشدد زيد فيه :

((قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا ))

زادوا ، لم يقولوا : ادع لنا ربك يبين لنا ما هي

لا

إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا 

ولذلك ذيلوا الآية بقولهم وَإِنَّا إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ70

ما بعد هذا الغموض غموض

يعني: أنهم بلغوا بسؤالهم الأول والثاني بلغوا من الغموض في شان هذه البقرة أعظم ما يكون من الغموض

ولذلك قالوا ـ وسلَّموا  إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ70

ومن الفوائد 

أن السؤال هنا السؤال الأول عن ماذا  عن سنها

السؤال الثاني  عن لونها

السؤال الثالث هنا  عن عملها

كيف عرفنا 

من الجواب 

قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ70

هل هنا في هذا السؤال ما يوضح أنهم سألوا عن العمل ؟

لا ، لكن من الجواب  قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ71

إذاً : هذا الجواب منه عليه السلام يدل على أنهم سألوا عن عملها

وهذا إن دل يدل على أنه كما يقال حسن السؤال نصف العلم فكذلك حسن الجواب نصف العلم

ومن الفوائد 

أنهم قالوا ((إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا )) البقر تشابه علينا

تشابه :

مذكر وإلا مؤنث 

تشابه وإلا تشابهت 

لما تقول بقر تشابه علينا وإلا تشابهت 

تشابهت

لكن لماذا هنا ذكر الفعل : تشابه ((إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا )) لأن لفظ البقر مذكر

((إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا ))

فلما ذكر لفظ البقر تبعه الخبر

وهذا كثير في اللغة

ومن الفوائد 

لو قال قائل : ((إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا )) كيف تتشابه البقر ؟

قبل هذا تشابه على وزن تفاعل فالأصل :

أن تفاعل لابد فيها من اثنين فأكثر

تقول : تقاتل زيد وعمرو

أو زيد وعمرو تقاتلا

يعني : حصل من كل منهما تقاتل

فلابد أن يشتركا

يعني : أن تشابه يدل على أن هناك جمعا ولاشك أن البقر جمع فتشابهت عليهم

ما موطن التشابه في البقر

الآن لو أحضرنا مائة بقرة ممكن يحصل فيها اشتباه 

ما موطن الاشتباه في البقر 

الوجه

لأن وجوهها متشابهة

البقر وجوهها متشابهة يمكن أن تميز البقر عن طريق الجسم عن طريق السن

لكن موطن التشابه أن البقر تتشابه وجوهها ولذلك في الحديث الذي في المسند من حديث حذيفة رضي الله عنه وإن كان فيه ضعف لكن تؤيده الرواية الأخرى 

قال عليه الصلاة والسلام لما سأله حذيفة :  هل بعد هذا الخير من شر يا رسول الله 

قال  نعم شر

قال  ما هو 

قال : فتن كوجوه البقر

لأنها متشابهة

ويؤيده ما جاء عند مسلم 

قوله عليه الصلاة والسلام إن أمتي جعلت عافيتها في أولها 

عافية هذه الأمة في صدر الأمة

 وسيصيب آخرها شر وأمور تنكرونها وتأتي الفتن يرقق بعضها بعضا 

يرقق

ما معنى يرقق 

يرقق : تقول  امرأة رقيقة

يعني  حسناء جميلة

يعني  فتن يرقق بعضها بعضا يعني : يجمل ويحسن بعضها بعضا

أو  أنها من التخفيف يعني كل فتنة تقول أنا أخف من أختي السابقة

كل فتنة تقول : أنا أخف من أختي اللاحقة

لأنها تأتي الفتنة عظيمة ثم تأتي التي بعدها فيقال ما أهون التي قبلها

ولذلك كما قال السندي 

إن هذا اللفظ ضبط  يرقق بعضها بعضا 

وضبط  يرفق بعضها بعضا 

ما معنى يرفق بعضها بعضا 

يعني : هذه قريبة من هذه وفي رواية يدقق بعضها بعضا :

يعني كلها فتن دقيقة ما يعرفها إلا من 

العلماء

ولذلك كما قال السلف  الفتنة يعرفها العلماء إذا أقبلت 

ولذلك يحذّر العلماء من الفتن لأنهم يعرفونها ما عرفوها من ذواتهم

لا ما عرفوها إلا من شرع الله ولكن

يقولون : ” فإذا وقعت عرفها الجميع عرفها الجاهل وغير الجاهل

وفي رواية ” يَدفِق بعضها بعضا “

من الدفق من الدفع كل فتنة تقول للأخرى اذهبي عني هذا وقتي وهذا زمني

فالشاهد من هذا 

أن البقر تشابه علينا فكما أن الفتن تتشابه فكذلك تتشابه وجوه البقر على بني إسرائيل لما شددوا

ومن الفوائد 

أنهم قالوا وَإِنَّا إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ70

جاء في حديث أبي هريرة :

” لو لم يقولوا إن شاء الله ما اهتدوا إليها “

انظروا إلى عظم المشيئة : وأن الإنسان لا يمكن أن يتحرك ولا يمكن أن يحصل شيء في هذا الكون ولا يمكن أن يتحرك في هذا الكون ولا يسكن متحرك في هذا الكون إلا بمشيئة الله كما قال الطحاوي  غلبت مشيئته المشيئات كلها 

ومشيئته التي تنفذ ، كل مشيئة الخلق تبع لمشيئة الله ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن

وَإِنَّا إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ70

قوله : ” لو لم يقولوا إن شاء الله لما اهتدوا إليها “

كونه مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فضعيف

ولذلك قال ابن كثير  أشبه ما يكون هذا القول من أبي هريرة

يعني  أبو هريرة يقول  لو لم يقولوا إن شاء الله ما اهتدوا

ولذلك 

ألم يقل الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً{23} إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ 

يعني : ما يكون في المستقبل هم ذكروا ما يكون في المستقبل لأنهم إلى الآن ما نفذوا قالوا وَإِنَّا إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ70 

فدل هذا على أن المشيئة كما في سورة الكهف وفي هذه الآية لا تذكر إلا في الاستقبال أو تبركا

بعض الناس يقال له : صليت المغرب 

قال  إن شاء الله

لو أن الإنسان في ثنايا الصوم : صائم اليوم يا فلان ؟

قال  إن شاء الله

لا بأس

لكنه لو أنه غربت الشمس : صائم هذا اليوم

قال : إن شاء الله

لا

فالمشيئة لا تكون إلا في المستقبل إذا أردت أن تفعل الشيء فهذا يكون في المستقبل أما ما وقع فانتهى

ومن الفوائد

أن موسى عليه السلام أوضح سؤالهم عن هذه البقرة :

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ 

العجيب لما كان هذا التشدد منهم عظيما لم يضمر وإنما أظهر وكرر

يعني : لو كان في غير القرآن فيما مضى من الأسئلة :

قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ 

لو كان في غير القرآن ألا يمكن أن يقال : قال إنه يقول إنها لا فارض ولا بكر

في السؤال الثاني ألا يمكن أن يقول : إنها صفراء

وهنا 

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ 

لو قال : إنها لا ذلول

لكن لما كرر كلمة البقرة بناء على أسئلتهم المتكررة وأن المقصود هي البقرة

يعني : يا بشر يا بني إسرائيل من الأساس اذبحوا بقرة مطلق بقرة لكن لما سألوا عن السن كرر موسى في جوابه كلمة بقرة

يعني : بقرة من باب التأكيد

لأن بعضا من الناس مع هذا التيسير والتوضيح من الله لهؤلاء إلا أن المناسب لمن يحاور شخصا معاندا أو يحاور شخصا لا يقبل الحق إلا بصعوبة عليه أن يفصل في جوابه ولا يدع ولا يذر

ولذلك كل ما قال في جوابه قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ 

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ 

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ 

ما معنى هذه الآية ؟

 قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ 

ما صفاتها ؟

بعض الناس يقرأ في سورة البقرة 

 قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ ــ يقف ثم يكمل : تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ 

أيهما أصح في القراءة ؟

ننتبه 

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ 

أو 

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ  يقف ثم يكمل : تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ 

نقف عند ذلول أم نكمل ؟

إن أكملنا كان هناك معنى وإن وقفنا كان هناك معنى

لما نقرأ 

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ  يعني : ليست مذللة ثم لما بدأنا  تُثِيرُ الأَرْضَ  يعني : أثبتنا أنها تثير الأرض  وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ 

يعني : نفينا أنها تسقي الحرث فنفينا عنها أنها ليست مذللة للعمل ثم أثبتنا أنها تثير الأرض ثم نفينا أنها تسقي

هذا إذا قرأنا بهذا الوقف 

 قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ  نفي  يقف ثم يكمل : تُثِيرُ الأَرْضَ  إثبات  وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ  نفي 

أو إذا قرأنا هكذا :

 قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ 

أكملنا الآن فكلمة تثير الأرض دخلت في النفي في نفي ” لا ذلول “

وضحت أم أوضح؟

إذاً : تثير الأرض فلا تقف على لا ذلول

 قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ ــ لازم تصل حتى يكون المعنى أن هذه البقرة ليست مذللة فنفينا أنها مذللة للعمل ليست كالبقر الأخرى مذللة للعمل وبالتالي فإنها لا تثير الأرض لأنها داخلة في نفي تذليلها للعمل وكذلك داخلة في نفي الحرث

لكن إن وقفنا أثبتنا أنها تثير الأرض

 قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ 

ماذا فهمنا من الآية على وجه العموم ؟

يعني أنها بقرة لا تعمل فهي غير مذللة للعمل ، لأن أصل البقر ماذا يصنع بها ؟

أنها تحرث الأرض وتسقيه

وهذه هل هي تثير الأرض ؟

لا تسقي الحرث ؟

لا

إذاً : جملة ” تثير الأرض ” صفة لذلول ولا ذلول منفية

يعني : نفى الله عنها أنها مذللة للعمل وبالتالي فإنها لا تسقي الحرث ولا تثير الحرث

 قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ 

بعض الناس يقرأ : وهذا خطأ في الوقف

لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ