قصيدة : سَلو قَلبي غَداةَ سَلا وَثابا * لَعَلَّ عَلى الجَمالِ لَهُ عِتابا

1
سلو قلبي غداة سلا وثابا *** لعل على الجمال له عتابا
2
ويسأل في الحوادث ذو صواب *** فهل ترك الجمال له صوابا
3
وكنت إذا سألت القلب يوما *** تولى الدمع عن قلبي الجوابا
4
ولي بين الضلوع دم ولحم *** هما الواهي الذي ثكل الشبابا
5
تسرب في الدموع فقلت:ولى *** وصفق في الضلوع فقلت: ثابا
6
ولو خلقت قلوب من حديد *** لما حملت كما حمل العذابا
7
وأحباب سقيت بهم سلافا *** وكان الوصل من قصر حبابا
8
ونادمنا الشباب على بساط *** من اللذات مختلف شرابا
9
وكل بساط عيش سوف يطوى *** وإن طال الزمان به وطابا
10
كأن القلب بعدهم غريب *** إذا عادته ذكرى الأهل ذابا
11
ولا ينبيك عن خلق الليالي *** كمن فقد الأحبة والصحابا
12
أخا الدنيا أرى دنياك أفعى *** تبدل كل آونة إهابا
13
وأن الرقط أيقظ هاجعات *** وأترع في ظلال السلم نابا
14
ومن عجب تشيب عاشقيها *** وتفنيهم وما برحت كعابا
15
فمن يغتر بالدنيا فإني *** لبست بها فأبليت الثيابا
16
لها ضحك القيان إلى غبي *** ولي ضحك اللبيب إذا تغابى
17
جنيت بروضها وردا وشوكا *** وذقت بكأسها شهدا وصابا
18
فلم أر غير حكم الله حكما *** ولم أر دون باب الله بابا
19
ولا عظمت في الأشياء إلا *** صحيح العلم والأدب اللبابا
20
ولا كرمت إلا وجه حر *** يقلد قومه المنن الرغابا
21
ولم أر مثل جمع المال داء *** ولا مثل البخيل به مصابا
22
فلا تقتلك شهوته وزنها *** كما تزن الطعام أو الشرابا
23
وخذ لبنيك والأيام ذخرا *** وأعط الله حصته احتسابا
24
فلو طالعت أحداث الليالي *** وجدت الفقر أقربها انتيابا
25
وأن البر خير في حياة *** وأبقى بعد صاحبه ثوابا
26
وأن الشر يصدع فاعليه *** ولم أر خيرا بالشر آبا
27
فرفقا بالبنين إذا الليالي *** على الأعقاب أوقعت العقابا
28
ولم يتقلدوا شكر اليتامى *** ولا ادرعوا الدعاء المستجابا
29
عجبت لمعشر صلوا وصاموا *** عواهر خشية وتقى كذابا
30
وتلفيهم حيال المال صما *** إذا داعي الزكاة بهم أهابا
31
لقد كتموا نصيب الله منه *** كأن الله لم يحص النصابا
32
ومن يعدل بحب الله شيئا *** كحب المال ضل هوى وخابا
33
أراد الله بالفقراء برا *** وبالأيتام حبا وارتبابا
34
فرب صغير قوم علموه *** سما وحمى المسومة العرابا
35
وكان لقومه نفعا وفخرا *** ولو تركوه كان أذى وعابا
36
فعلم ما استطعت لعل جيلا *** سيأتي يحدث العجب العجابا
37
ولا ترهق شباب الحي يأسا *** فإن اليأس يخترم الشبابا
38
يريد الخالق الرزق اشتراكا *** وإن يك خص أقواما وحابى
39
فما حرم المجد جنى يديه *** ولا نسي الشقي ولا المصابا
40
ولولا البخل لم يهلك فريق *** على الأقدار تلقاهم غضابا
41
تعبت بأهله لوما وقبلي *** دعاة البر قد سئموا الخطابا
42
ولو أني خطبت على جماد *** فجرت به الينابيع العذابا
43
ألم تر للهواء جرى فأفضى *** إلى الأكواخ واخترق القبابا
44
وأن الشمس في الآفاق تغشى *** حمى كسرى كما تغشى اليبابا
45
وأن الماء تروى الأسد منه *** ويشفي من تلعلعها الكلابا
46
وسوى الله بينكم المنايا *** ووسدكم مع الرسل الترابا
47
وأرسل عائلا منكم يتيما *** دنا من ذي الجلال فكان قابا
48
نبي البر بينه سبيلا *** وسن خلاله وهدى الشعابا
49
تفرق بعد عيسى الناس فيه *** فلما جاء كان لهم متابا
50
وشافي النفس من نزعات شر *** كشاف من طبائعها الذئابا
51
وكان بيانه للهدي سبلا *** وكانت خيله للحق غابا
52
وعلمنا بناء المجد حتى *** أخذنا إمرة الأرض اغتصابا
53
وما نيل المطالب بالتمني *** ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
54
وما استعصى على قوم منال *** إذا الإقدام كان لهم ركابا
55
تجلى مولد الهادي وعمت *** بشائره البوادي والقصابا
56
وأسدت للبرية بنت وهب *** يدا بيضاء طوقت الرقابا
57
لقد وضعته وهاجا منيرا *** كما تلد السماوات الشهابا
58
فقام على سماء البيت نورا *** يضيء جبال مكة والنقابا
59
وضاعت يثرب الفيحاء مسكا *** وفاح القاع أرجاء وطابا
60
أبا الزهراء قد جاوزت قدري *** بمدحك بيد أن لي انتسابا
61
فما عرف البلاغة ذو بيان *** إذا لم يتخذك له كتابا
62
مدحت المالكين فزدت قدرا *** فحين مدحتك اقتدت السحابا
63
سألت الله في أبناء ديني *** فإن تكن الوسيلة لي أجابا
64
وما للمسلمين سواك حصن *** إذا ما الضر مسهم ونابا
65
كأن النحس حين جرى عليهم *** أطار بكل مملكة غرابا
66
ولو حفظوا سبيلك كان نورا *** وكان من النحوس لهم حجابا
67
بنيت لهم من الأخلاق ركنا *** فخانوا الركن فانهدم اضطرابا
68
وكان جنابهم فيها مهيبا *** وللأخلاق أجدر أن تهابا
69
فلولاها لساوى الليث ذئبا *** وساوى الصارم الماضي قرابا
70
فإن قرنت مكارمها بعلم *** تذللت العلا بهما صعابا
71
وفي هذا الزمان مسيح علم *** يرد على بني الأمم الشبابا