قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم

هذه الآية عظيمة، أمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يدعو أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى إلى كلمة: وهي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، مع شهادة أن محمداً رسول الله، سواء: يعني فصل بيننا وبينكم، نستوي نحن وأنتم فيها، كلنا سواء فيها، علينا جميعاً أن نعبد الله وحده دون ما سواه سبحانه وتعالى، وعلينا أن لا نشرك به شيئاً، لا نشرك به لا صنماً، ولا نبياً، ولا جنياً، ولا شجراً، ولا حجراً، ولا غير ذلك، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، ليس لنا أن نتخذ بعضنا بعضاً من دون الله، فليس للإنس أن يتخذ بعضهم بعضاً، ولا للجن، ولا للملائكة ولا غيرهم، كلهم يجب أن يعبدوا الله وحده، كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ (80) سورة آل عمران. فلا يجوز لأحد أن يتخذ رباً مع الله يعبده، ويستغيث به، أو يصلي له، أو يسجد له، أو نحو ذلك، بل الجميع عباد الله، يجب عليهم أن يخصوا الله بالعبادة أينما كانوا من دعاء، وخوف، ورجاء، وصلاة، وصوم، وذبح، ونذر، وغير ذلك، فإن تولوا: يعني فإن تولوا هؤلاء من اليهود والنصارى، وأعرضوا عن قبول الحق، فقولوا اشهدوا: فقولوا لهم مشافهةً وصريحاً: إنا مسلمون، يعني اشهدوا إنا مسلمون، وأنتم كفار، يعني اشهدوا علينا إنا مسلمون يعني منقادون لله، موحدون له، معظمون له، خاضعون له، نعبده وحده دون كل ما سواه، خلافاً لكم.

التفسير المطول – سورة أل عمران 003 – الدرس(19-60): تفسير الآيات 64 – 68
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس التاسع عشر من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الرابعة والستين ، وهي قوله تعالى :

 قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ

( سورة آل عمران : الآية 64 )

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ

 ـ وحدة الأصل تعني وحدة الفروع :

 هذه الأديان أو هذه الشرائع أليست هي من عند الله ؟ هناك قاعدة أصولية أن وحدة الأصل تعني وحدة الفروع ، فما دامت هذه الشرائع قد جاءت من عند الله عز وجل ، و الله واحد لا شريك له ، إذاً فلابد من وحدة في هذه الشرائع .
 القرآن الكريم أشار إلى هذه الحقيقة فقال :

 وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ(25)

( سورة الأنبياء : الآية 25)

 ـ نهاية العلم التوحيد :

 كل شيء جاءنا من عند الله من خلال الرسل يتلخص بكلمتين : التوحيد والعبادة ، فالدين عقيدة و طاعة ، تصور و سلوك ، فكر نظري و تطبيق عملي .

 وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ(25)

( سورة الأنبياء : الآية 25)

 قال العلماء : نهاية العلم التوحيد ، و نهاية العمل التقوى ، الحقيقة أنا مضطر أن أبين الفرق بين أن تُحَصل علماً أرضياً من جامعات العالم هذا العلم متعلق بخلق الله ، و بين أن تتعرف إلى الله ، فرق كبير بين أن تعرف الله ، وأن تتعرف إلى قوانين خلقه ، قوانين خلق الله عز وجل تعرفها في العلوم العصرية في جامعات الأرض ، لكنك إذا أردت أن تعرف الله ينبغي أن تتفكر في خلقه ، و في كلامه، و في أفعاله ، إنها المصادر الثلاثة لمعرفة الله عز وجل .

ـ ما كل ذكي بعاقل :

 النقطة الدقيقة أنه ما كل ذكي بعاقل ، قد يتفوق الإنسان في اختصاصه ، قد يبرع في حرفته ، قد يبلغ الدرجة العليا فيما هو فيه ، أما إن لم يعرف الله و لم يعرف سر وجوده و غاية وجوده فهو عند الله ليس بعاقل ، و الآيات التي تتحدث عن العقل و العلم تقترب من ألف آية :

 أَفَلَا تَعْقِلُونَ

( سورة آل عمران : الآية 65)

 لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ

( سورة الأعراف : الآية 176)

 لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ

( سورة الأنفال : الآية 57 )

 مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ

( سورة الصافات : الآية 154 )

 فَأَنَّا تُصْرَفُونَ

( سورة يونس : الآية 32 )

 الآن ربنا عز وجل يبين أن هذه الشرائع من عند الله كلها :

 قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ

( سورة آل عمران : الآية 64 )

 ـ لا طاعة إلا لله ورسوله :

 القاسم المشترك ألا نعبد إلا الله ، العبادة لله وحده ، لا يوجد جهة في الأرض مخولة أن تطيعها أبداً ، النبي عليه الصلاة والسلام ، وهو سيد الخلق ، وحبيب الحق يقول الله له :

 قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي

( سورة الأعراف : الآية 203 )

 أنا متبع ، سيدنا الصديق : إنما أنا مُتَبع ، ولست بمبتدع ، ولا جهة في الأرض مهما علا شأنها يمكنك أن تعبدها من دون الله ، أو أن تطيعها من دون دليل ، هذه النقطة في الإسلام مهمة جداً ، نحن جميعاً نؤمن أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم بمفرده ـ وحده ـ بينما أمته معصومة بمجموعها ، الله عز وجل أمرنا أن نأخذ من نبيه قال :

 وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا

( سورة الحشر : الآية 7 )

 لأنه عصم نبيه من أن يخطئ في أقواله ، وأفعاله ، وإقراره ، وأحواله ، هو المعصوم ، في حياة المسلمين إنسان واحد تطيعه من دون أن تطالبه بالدليل هو رسول الله ، أما غير رسول الله فما من إنسان يمكن أن تطيعه من دون دليل أبداً ، الصديق رضي الله عنه قال :  أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم  ، أي راقبوني .
 هذه قاعدة أساسية : لا تقبل شيئاً من دون دليل ، ولا ترفض شيئاً من دون دليل ، فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :

(( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ جَيْشًا ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلاً ، فَأَوْقَدَ نَارًا ، وَقَالَ : ادْخُلُوهَا ، فَأَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا ، وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا فَرَرْنَا مِنْهَا ، فَذَكَرُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا : لَوْ دَخَلُوهَا لَمْ يَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَقَالَ لِلآْخَرِينَ : لا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ))

[ البخاري ، مسلم ، النسائي ، أبو داود ، أحمد]

 النبي ربى رجال ، علمهم كيف يفهمون الأمور ، و كيف يزينون الموضوعات :

 قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ

( سورة آل عمران : الآية 64 )

 من ينبغي أن تعبده ؟ الذي خلقك :

 يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ

( سورة البقرة : الآية 21 )

 لأن الخالق هو الصانع ، و قال تعالى :

 وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ

( سورة فاطر : الآية 14 )

 ـ عبادة الله وحده هي السعادة الحقيقية :

 لن تجد في الأرض كلها جهة تملك أسباب سعادتك إلا الله ، و هؤلاء البشر حينما تركوا الدين وقعوا في شر أعمالهم ، المجتمعات البشرية في بؤس شديد ، إما في ترف مع التفسخ ، وإما في قهر ، وفقر مع الحاجة ، لأنهم ما اتبعوا منهج الله عز وجل ، و أكاد أقول ما من مشكلة في الأرض على الإطلاق إلا بسبب خروج عن منهج الله ، و ما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل ، والجهل أعدى أعداء الإنسان ، و الجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به :

 أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ(64)

 لا ينبغي أن تكون أنت لغير الله ، لا يليق بك أن تكون لغير الله ، لا يليق بإنسانيتك أن تكون لغير الله ، لا يمكن أن تحسب على غير الله ، أنت إنسان خلقك الله ، وكرمك ، وجعلك المخلوق المكرم ، أنت لله ، الماء للتراب ، والتراب للنبات ، والنبات للحيوان ، والحيوان للإنسان ، والإنسان لله ، وأنت لله :

أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ(64)

 لذلك قل :

 يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ

( سورة العنكبوت : الآية 56 )

 أيّ مكان في الأرض حال بينك و بين طاعة الله ينبغي أن تغادره فوراً ، منعك من طاعة الله ، لأنك مخلوق لعبادة الله :

 وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ

( سورة الذاريات : الآية 56)

 ألا نعبد إلا الله لأنه الذي خلق ، و لأنه الرب الممد ، و لأنه المسير ، و لأنه الإله ، ولأنه الخبير ، ولأنه العليم ، ولأنه الغني ، ولأنه القوي ، ولأنه الرحيم ، فكل سعادتك ، وسلامتك بطاعة ربك ، وكل شقائك ، وهلاكك بمعصية ربك ، و هذا معنى قوله تعالى :

 وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا

( سورة الأحزاب : الآية 71 )

 قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا

( سورة آل عمران : الآية 64 )

 ـ الشرك أخطر شيء على وجه الأرض ولا سيما الخفي منه :

 إخواننا الكرام ، أخطر شيئاً في حياة المسلمين الشرك ، الشرك نوعان : جلي و خفي ، الجلي فيما أعتقد لا وجود له في العالم الإسلامي في الأعم الأغلب ، ليس في عالم المسلمين إله يُنحت ، و يُعبد من دون الله ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ :

(( أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنْ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ؟ قَالَ : قُلْنَا : بَلَى ، فَقَالَ : الشِّرْكُ الْخَفِيُّ ))

[ أحمد ، ابن ماجه ]

 وعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الإشْرَاكُ بِاللَّهِ ، أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَقُولُ : يَعْبُدُونَ شَمْسًا ، وَلا قَمَرًا ، وَلا وَثَنًا ، وَلَكِنْ أَعْمَالاً لِغَيْرِ اللَّهِ ، وَشَهْوَةً خَفِيَّةً ))

[ أحمد ، ابن ماجه ]

 إذاً : الشيء الخطير هو الشرك الخفي :

 وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ

( سورة يوسف : الآية 106 )

 بسبب الشرك الخفي ينافق بعض المسلمين ، بسبب الشرك الخفي يخاف بعض المسلمين أن يطيع الله ، يخافون مما سواه ، بسبب الشرك الخفي يغش المسلم في البيع والشراء ، يرى أن هذا المال الذي سيحصله من خلال الغش أغلى عنده من الله ، من طاعته ، بسبب الشرك الخفي يطيع بعض المسلمين زوجاتهم ، ويعصون ربهم ، بسبب الشرك الخفي تطيع مخلوقاً ، و تعصي خالقاً .
 لو أنك وحدت الله لا يمكن أن تعصيه ، لماذا تعصيه ؟ الأمر بيده ، و الرزق بيده ، والصحة بيده ، وأهلك بيده ، وأولادك بيده ، ومن حولك بيده ، ومن فوقك بيده ، ومن تحتك بيده ، فإذا أرضيت الله وحده رضي الله عنك ، وأرضى عنك الناس ، اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها ، من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها .
 إذاً :

أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا

 ـ كل هذا من مظاهر الشرك فاحذرها :

 الشرك أيها الإخوة أخفى من دبيب النملة السمراء ، على الصخرة الصماء ، في الليلة الظلماء ، نملة سمراء ، تمشي على صخرة صماء ، في ليلة ظلماء ، ألا يُسمع دبيب أقدامها ؟ بالتأكيد لا يُسمع ، الشرك أخفى ، أدناه أن تحب على جور ، أي إنسان جاءك منه خير مادي فأحببته ، وهو ليس على ما ينبغي أن يكون ، هذا شرك ، أو إنسان نصحك بأدب جم فانزعجت منه لأنه خدش كبرياءك ، هذا شرك ، أن تحب على جور أو أن تبغض على عدل ، حينما ترجو ما عند إنسان فهو شرك ، حينما تخاف من إنسان ، ولا تخاف من الله ، هذا شرك ، حينما تحرص على سمعتك أمام الناس ، ولا تحرص عليها أمام الله ، حين تتجمل أمام الناس ، ولا تُحسن منظر الله عز وجل في قلبك ، طهرت منظر الخلق سنين ، تطلي بيتك ، تنظف مركبتك ، تتأنق في ملبسك ، هذا منظر الخلق ، الخلق ينظرون إليك ، إلى بيتك ، إلى مدخل بيتك ، إلى غرفة الضيوف ، إلى نظافة البيت ، إلى نظافة الجدران ، إلى نوع الأثاث ، إلى تنسيق الألوان ، لكن الله ناظر إلى قلبك ، فيه غش ، فيه حسد ، فيه بغي ، فيه عدوان ، فيه لؤم ، فيه كبر ، فيه غطرسة ، كما ورد في بعض الآثار : ” عبدي طهرت منظر الخلق سنين ، أفلا طهرت منظري ساعة ” .
أن ترجو غير الله ، أن تخاف من غير الله ، أن تعطي لغير الله ، أن تمنع لغير الله ، ألا تغضب لله ، ألا ترضى لله ، فهذا شرك ، و هذا هو الشرك الخفي ، و هذا ما تعنيه الآية الكريمة :

 وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ

( سورة يوسف : الآية 106 )

 نعوذ بالله من الشرك الخفي :

 قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ

( سورة آل عمران : الآية 64 )

 بالتأكيد لن تقول لإنسان : أنت ربي ، لكنك تعامله ، و كأنه رب ، تطيعه طاعة عمياء من دون دليل ، ترضيه و لو بسخط الله ، تخافه ، ولو عصيت الله ، اتخذته رباً ، أعطاك توجيها بلا دليل ، فنفذت هذا التوجيه ، نهاك عن شيء واجب فتركت هذا الشيء الواجب ، أمرك بمعصية فنفذتها إنك اتخذته إلهاً ، و اتخذته رباً ، و قد قال الله عز وجل :

 اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ

( سورة التوبة : الآية 31)

لا تطع أيَّ إنسان مهما كان إنْ أمر بمعصية :

 و قد تجد بعض المسلمين لضيق أفقهم ، ولجهلهم يعبدون بعضهم بعضاً ، يكفي أن شيخه قال له كذا ، و لو أمره بمعصية ، لو منعه من طاعة ، يقول لك بالتعبير الدارج لو قال : اللبن أسود ، أسود ، ما علمنا النبي هذا ، علمنا أن نستبصر ، علمنا أن نسأل ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :

(( صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى صَلاتَيْ الْعَشِيِّ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ….. وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ طَوِيلُ الْيَدَيْنِ يُسَمَّى ذُو الْيَدَيْنِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَسِيتَ الصَّلاةَ أَمْ قُصِرَتْ ؟ فَقَال :َ مَا نَسِيتُ ، وَلا قُصِرَتْ الصَّلاةُ ، فَقَالَ : أَوَ كَذَلِكَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ : فَرَجَعَ فَأَتَمَّ مَا بَقِيَ ، ثُمَّ سَلَّمَ ، وَكَبَّرَ فَسَجَدَ طَوِيلاً ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ، فَكَبَّرَ ، وَسَجَدَ مِثْلَ مَا سَجَدَ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَانْصَرَفَ ))

[ البخاري ، مسلم ، الترمذي ، النسائي ، أبو داود ، أحمد ، مالك ، الدارمي ]

 نُسِّي النبي لكي يسن لنا سجود السهو ، لو أن النبي لم يسهو في حياته ولا مرة ، هذا الحكم معطل ما كنا عرفناه ، نحن ننسى ، فالنبي ربى أصحابه أن يسألوا ، أن يستوضحوا ، صحابي جليل رأى موقع بدر غير مناسب ، من شدة غيرته و محبته و إخلاصه سأل النبي بأدب جم ، قال : يا رسول الله ، هذا الموقع وحي أوحاه الله إلي ؟ أي إذا كان وحياً و لا كلمة ، أم هو الرأي والمشورة ، فالنبي قال له : لا ، هو الرأي و المشورة ، قال : و الله يا رسول الله ليس بموقع ، يخاطب من ؟ يخاطب سيد الرسل ، يخاطب سيد الأنبياء ، يخاطب الذي يوحى إليه ، يخاطب المعصوم ، فالنبي عليه الصلاة و السلام بخلق رفيع قال: أين الموقع المناسب ؟ فدله عليه ، قال : جزاك الله خيراً ، و أعطى أمراً لأصحابه بالتوجه ، أي المؤمن الصادق يغار على سمعة المسلمين ، يسأل ، يستفهم ، يستوضح ، ينتقد نقداً بناءً ، يعترض أحياناً ، لأن الله هو قصده ، أما إذا كانت الدنيا قصده ومصالحه مؤمنة بسكوته يسكت ، إذا كانت الدنيا قصده ، ومصالحه تتحقق بسكوته تراه يسكت ، أما إذا كان الله قصده ينبغي أن ينطق ، أن يسأل ، أن يستفهم، أن يستوضح ، أن ينتقد أحياناً ، فلا معصوم إلا النبي ، ما من أحد أصغر من أن ينقُد ، و ما من أحد أكبر من أن ينقَد ، كل إنسان يؤخذ منه ، و يرد عليه إلا صاحب هذه القبة الخضراء ، ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى العين والرأس ، وما جاءنا عن أصحابه فعلى العين والرأس ، وما جاءنا عن التابعين فعلى العين والرأس ، لأن الله شهد لهذه العصور الثلاثة بالخيرية ، فعن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( خَيْرُكُمْ قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ))

[ البخاري ، مسلم ، الترمذي ، النسائي ، أبو داود ، أحمد ]

 وما جاءنا عن سواهم ، فنحن رجال و هم رجال ، للإمام علي كرم الله وجهه كلمة رائعة قال : << نحن نعرف الرجال بالحق ، و لا نعرف الحق بالرجال >> .
 فلان قال : أنت أفهم منه ، و لكن يوجد آية ، يوجد نص قطعي الدلالة ، فلان أفتى بالربا أنت مثل علمه ؟ أنا معي نص :

 فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ

( سورة البقرة : الآية 279 )

 لا معصية في القرآن توعد الله على مرتكبها بالحرب إلا الربا ، من هذا الذي يحق له أن يقول لك : الربا مباح ؟ من هذا الذي يجرؤ أن يحل معصية توعد الله عليها مرتكبها بالحرب ؟ البطولة أنك تعرف الرجال بالحق ، الحق هو الأصل ، والخطأ الشنيع أن تعرف الحق بالرجال ، أناس كثيرون يقول لك : هكذا علمنا والدنا ، والدك ليس على حق ، أبي لم يرد أن نعمل تفرقة بالعائلة ، يجمع الأصهار و زوجاتهم على مائدة واحدة ، هكذا علمنا أبي ، ليس هناك دليل ، فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الأنْصَارِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ ؟ قَالَ : الْحَمْوُ الْمَوْتُ ))

[ البخاري ، مسلم ، الترمذي ، أحمد ، الدارمي ]

 ليس من المعقول أن يرى الصهر أخت زوجته ، وقد تكون أجمل منها ، ثم لا يتمناها ، ثم لا يملأ عينيه من محاسنها ، والدي لو يرد أن يفرق العائلة ، هل هذه آية أم حديث ؟ هذا كلام والدك ، نحن معنا قرآن ، معنا سنة ، معنا كلام معصوم ، فأنت الأصل أن تعرف الحق و من خلال الحق يمكن أن تقيّم الرجال ، لذلك :

 أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ

8 ـ يجب أن نحرص على التوحيد بأن لا يشوبه شرك مهما صغُر :

 إله واحد ، أنا أعتقد أنه ما من رجُلين على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة أحبا بعضهما بعضاً كرسول الله و أبي بكر ، أبو بكر و عمر مني بمثل السمع و البصر ، فما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر .
ومع ذلك لما مات النبي عليه الصلاة و السلام ماذا فعل الصديق ؟ قال :  من كان يعبد محمداً ـ فقط محمداً لم يقل رسول الله ـ فإن محمداً قد مات ، و من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت  .
 ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، سيدنا عمر ، سيدنا خالد انتصر ، و انتصر ، فتوهم المسلمون أنه ما من معركة يقودها خالد إلا انتهت إلى النصر ، فخاف عليهم الشرك فعزل خالدا ، سيدنا خالد تألم ، قال له :  يا أمير المؤمنين لما عزلتني ؟ قال له : و الله إني أحبك ، قال : لما عزلتني ؟ قال : و الله إني أحبك ، فسأله مرة ثالثة لما عزلتني ؟ قال له : و الله ما عزلتك يا بن الوليد إلا مخافة أن يفتتن الناس بك لكثرة ما أبليت في سبيل الله .
 و أنت راقب نفسك لمجرد أن تتكئ على إنسان ، لمجرد أن تعقد الأمل عليه ، لمجرد أن تتوقع منه الخير ، لمجرد أن تعتز به و أن تنسى ربك ، هذا الإنسان الذي أشركته مع الله لابد من أن يخيب ظنك بتوجيه الله إنقاذاً لك من الشرك ، الشرك هو الطامة الكبرى :

أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ

 لو أن أتباع الأديان التي جاءتنا من عند الله عبدوا الله وحده ، ولم يشركوا به شيئاً ، وما اتخذوا بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله لاجتمعوا ، وتعاونوا ، فإن أبوا إلا أن يتخذوا بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله ، فإن أبوا إلا أن يشركوا ، إن أبوا إلا أن يعبدوا غير الله ، فإن أبوا إلا أن يشركوا بالله ، إن أبوا إلا أن يتخذوا بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله قال :

 فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ

( سورة آل عمران : الآية 64 )

فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُون

 الأنبياء كلهم وُصِفوا في القرآن بالإسلام :

 هذا هو الإسلام ، الإسلام هو الاستسلام لله ، و الذي يلفت النظر في القرآن الكريم أنه ما من نبي في القرآن إلا و قد وصف بأنه مسلم ، بل إن فرعون حينما أدركه الغرق قال :

 وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ

( سورة الأحقاف : الآية 15 )

 الإسلام بالمعنى الواسع لا بالمعنى الذي يعني أن هذا الدين الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ، بالمعنى الواسع الاستسلام لله ، والآية الدقيقة :

 إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ

( سورة آل عمران : الآية 19)

 أي أصل الدين عند الله الإسلام ، أن تستسلم لله ، وألا تعبأ بمن دونه ، قال :

 يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ

( سورة آل عمران : الآية 65 )

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ

 ـ مزاعم اليهود في إبراهيم :

 أي اليهود ، فقد قالوا ، كان إبراهيم يهودياً ، و النصارى قالوا ، كان إبراهيم نصرانياً ، فقال الله عز وجل :

 يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

( سورة آل عمران : الآية 65 )

 الحجة قوية ، هذا النبي الكريم ، هذا أبو الأنبياء حينما أرسله الله للخلق ما كان هناك يهودية و لا نصرانية ، لذلك قال الله عز و جل :

2 ـ رد الله على مزاعم اليهود في إبراهيم :

 هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ

( سورة آل عمران : الآية 66)

 أي بسيدنا عيسى .

 فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

( سورة آل عمران : الآية 66)

 أي الحق صارخ ، الحق واضح ، الحق جلي ، فحينما ترى كلاماً لا ترتاح له ، ولا يتفق مع الفطرة السليمة ، ولا مع العقل الصريح ، ولا مع النقل الصحيح ، ولا مع الواقع الموضوعي هذا باطل ، الحق ما جاء به النقل الصحيح ، وأيده العقل الصريح ، وارتاحت إليه الفطرة السليمة ، وأكده الواقع الموضوعي هذا هو الحق :

 يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(65)هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ

( سورة آل عمران )

 ـ لابد من تمحيص الكلام :

 بعضهم قال : لي صديق كان من أعظم الناس في عيني ، و كان رأس ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينيه ….. إلى أن قال : و لا يدلي بحجة إلا إذا رأى قاضياً فهماً ، وشهوداً عدولاً ، و كان خارجاً عن سلطان الجهالة ، فلا يتكلم بما لا يعلم ، ولا يماري فيما علم .
 أي مسلم لا هو فهِم كتاب الله ، ولا قرأ كتاب الله ، ولا اطلع على حديث رسول الله ، ولا فهم أحكام الفقه ، لكن يقول لك سمعت ندوة من فضائية ، أي يقبل على مزاجه ، ويرفض على مزاجه ، و يُقَيم على مزاجه ، و كأن الحديث في الدين كلأ مباح لكل الناس ، من يجرؤ أن يكتب على بيته الدكتور فلان ، اختصاصي في أمراض القلب ، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب ، ماذا يفعلون به ؟ يضعونه في السجن ، من يجرؤ أن يكتب المهندس فلان ، وهو جاهل ؟ من يجرؤ أن يكتب المحامي فلان ، وهو جاهل ؟ هناك محاسبة ، ومساءلة ، لكن كل شخص من دون أن يطلب العلم ، من دون أن يقرأ القرآن ، من دون أن يفهم القرآن، من دون أن يقرأ سنة النبي العدنان ، من دون أن يفهمها ، من دون أن يفهم أحكام الفقه ، من دون أن يعرف أصول العقائد يتكلم في الدين ، فيقبل ، ويرفض ، ويُقَيم ، ويطعن ، ويمدح ، هو مرتاح ، أي علم حصلته حتى تتكلم بهذا الكلام ؟ لابد من أدب مع الله ، اطلب العلم .
 الآن في البلد مجلات طبية كثيرة إذا اشترى شخص عدة مجلات ، و قرأ في كل مجلة مقالتين أو ثلاثًا ، وهناك أسئلة وأجوبة ، هذا في الأمراض الباطنية ، والقلبية ، والرئوية ، والبولية …هذا بعد مطالعة عشرين ، أو ثلاثين مجلة ، وقرأ مقالاتهم ، وقرأ السؤال والجواب ، هل يكون طبيباً ؟ هذا والله حال المسلمين اليوم ، سمع خطبة ، قرأ كتابًا ، قد يكون فيه دس لا يعلمه إلا الله ، سمع ندوة من إنسان باع دينه بدنياه ، ليس منضبطاً ، فيقبل ، و يرفض ، ويزكي ، ويقبح ، ويطعن ، يقبل على مزاجه ، ويرفض على مزاجه ، أهكذا ؟
 مرة قلت للإخوة الكرام في إحدى الخطب : خذوا دينكم عن الأرضيات لا عن الفضائيات ، لأن الذين يتحدثون في بعض هذه الفضائيات ينسجمون مع مموليها ، وينسجمون مع أن تتسع رقعة شعبيتهم على حساب دينهم ، كل شيء أصبح حلالاً ، الرقص ، والغناء ، والتمثيل ، والموسيقى ، وسفر المرأة بلا محرم ، لم يبق شيئاً ، والربا ، لم يبق شيئاً بقي الإسلام شكلاً ، غلاف بلا مضمون :

 مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ

[ سورة آل عمران : الآية 67]

4 ـ كان إبراهيم عليه السلام حنيفاً مسلماً :

 كان إبراهيم حنيفاً مسلماً ، أي مائلاً إلى الله ، أكد علماء العقيدة أن العبادة طاعة طوعية ، وليست طاعة قسرية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، فلو أطعت الله ولم تحبه ما عبدته ، ولو أطعته ، ولو أحببته ، ولم تطعه فما عبدته ، لا تكون عابداً إلى إذا أطعته طاعةً طَوعيةً ، ممزوجة بمحبة قلبية .
 كان حنيفاً مائلاً إلى الله ، أي إنسان قوي شهر عليك سلاح ، وقال لك: أعطني ما في يديك من طعام ، فقد أطعته ، هل تكون قد عبدته ؟ أعوذ بالله ، أنت مقهور ، لذلك نعجب في القرآن مِن جمع العبد على عباد تارةً ، وجمع العبد على عبيد تارةً أخرى ، فقال تعالى :

 وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ

( سورة فصلت : الآية46 )

 وقال :

 وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا

( سورة الفرقان : الآية 63)

 قال العلماء : العبيد جمع عبد القهر ، بينما العباد جمع عبد الشكر فالمقهور في وجوده وفي استمرار وجوده إلى الله هذا عبد قهر جمع عبيد ، وما ربك بظلام للعبيد ، أما الذي تعرف إلى الله طواعيةً مبادرةً منه عن اختيار ، عن محبة فهذا عبد الشكر يجمع على عباد ، قال تعالى

 إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ

( سورة الحجر : الآية 42)

 فرق دقيق بين العبيد والعباد ، قال تعالى :

 مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ

 التركيز على الشرك ، طامة المسلمين الكبرى الشرك :

 وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ

 ـ الدعوة إلى توحيد الله لا إلى الأشخاص والأفكار :

 فكان رأسهم بينهم ، هناك من يدعو إلى ذاته بدعوة مغلفة إلى الله ، هذا لا يتبع بل يبتدع ، هذا لا يتعاون ، بل يتنافس ، هذا لا يقر بفضل الآخرين ، بل ينتقص منه ، هذا لا يسالم بل يعادي ، و ما من فرقة ضالة في تاريخ المسلمين إلا و هي تتصف بصفات أربع ، تأليه الأشخاص :

 اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ(31)

( سورة التوبة : الآية 32 )

 و في أي دين إذا اتخذ رجال الدين أرباباً من دون الله انحرف هؤلاء ، تأليه الأشخاص، و تخفيف التكاليف ، واعتماد النصوص الموضوعة والضعيفة ، والنزعة العدوانية ، بينما أهل الحق يتبعون ولا يبتدعون ، يعتمدون النصوص الصحيحة ، عند الأمر و النهي يتعاونون ولا يتنافسون :

 وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ

إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ

( سورة الأنعام : الآية 159)

 إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ

( سورة آل عمران : الآية 68)

إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِين

أولى الناس باتباع إبراهيم النبي والمؤمنون :

 إن أولى الناس بإبراهيم ، نقول نحن في الصلاة : اللهم صل على سيدنا محمد ، وعلى آل محمد ، كما صليت على سيدنا إبراهيم ، وعلى آل إبراهيم :

 لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ

 أيها الإخوة الكرام .

 إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا

 الذين صدقوا دينه الحنيف ، و النبي عليه الصلاة و السلام هو دعوة أبينا إبراهيم ، كما قال عن نفسه : أنا بشارة أخي عيسى و دعوة أبي إبراهيم ، و إبراهيم أبو الأنبياء :

 وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ

والحمد لله رب العالمين